لقمة العيش … بقلم : د.نعمات الطراونة

4٬835

الكرك نيوز – من أيقظنا من عميق نومنا أنا والذين اعتدتُ أن أرى معظمهم يوميا نشق طريقنا سائرين على تلك الطريق التي حفظت معالمها وتضاريسها، هنا مطبّ، وهناك حفرة، وبعد عدّة أمتار تصدّع، وإشارة مرور رتيبة حركاتها تقطع عليّ متابعة السّير فتستوقفني حتى لو لم يكن هناك حركة سير في الشارع.
أتفحصُ قسمات الوجوه، أحاول سبر أغوار النفوس، لكن الوجوم الذي يقبع جاثما على تلك الملامح يسدّ كل منافذ التحليل والتأويل، ويحول دون تخمين وجهة كل واحد منهم.
عن يميني (بكب) يقلُّ رجلا كهلا يسير ببطء شديد، قد تقول إن عدم سرعته عائد إلى خوفه على أجزاء السيارة المتآكلة من التساقط الواحد تلو الآخر مع الطريق المهترئة، ولكن عندما دققت النظر وجدته يُحمَّل عدّة رؤوس من الأغنام الهزيلة، حينها أدركت وجهته فقد عاد من سوق (الحلال) وعادت معه أغنامه؛ لأنه لم يجد من يُلقي إليها بالا، وهو المتأمّل بوضع مبلغ من المال ثمنا لها في جيبه يستطيع أن يشتري منه صندوق بندورة أوبطاطا أو كيس سكر، ولعلّه يحلم بأن يُلبّي رغبة صغيرته التي أوصته قبل أن تنام بشراء عدّة حبات من الفلافل.
تجاوزتُ عنه، فهناك ثلاثة حصادين تناثرتْ خلفهم شِمْلَة القش يضعون الشمس خلفهم ويعتركون مع السنابل، لكن وجود سيارة تبيع البطيخ افترش صاحبها الأرض ونام بجانبها، قطع عليّ المتابعة فوجدتني أتنحى قليلا لأفسح الطريق إلى سيارة (أفانتي) لم يبقَ في هيكلها الخارجيّ مكانا لضربة أو صدأ يمتطي صهوتها ثلاثة شبان ميّزتهم من خلال لباسهم بأنهم رجال دفاع مدني، تواعدوا للخروج معا، أشحت بوجهي عنهم لعلمي بأن عيون أمهات رمقتهم قبل الخروج وسيجتهم بأدعية الحفظ وأن يردّهم الله سالمين.
أخذتني الطريق بعد أن سمحت لي إشارة المرور بالانطلاق ليتجاوز عنّي شابٌ في مقتبل العمر قد علّق بعضا من ملابسه على نافذة السيّارة، وبدا جمال مظهرها، لعل أختا أو زوجة مكثت مليّا تكوي هذه القطع وتلثمها بقبلات الحبّ والحنان، فهو سيقطع عشرات الكيلومترات ويغيب عنها اسبوعا أو أكثر، أفقت من حلمي وأنا أردّد كلمات أغنية من أغاني الأفراح عندنا:
” ع العرق اليابس علق جاكيته … ع العرق اليابس
ما حدا لابس مثلك يا محمد … ما حدا لابس”
“ربّي احفظ الشباب” هذا ما قلته عندما توارى جسم سيارته عني، وأنا أحاول دخول مسرب التخزين وأتجه شمالا في طريق ضيقة يشقّ حيّا بيوته لا حياة فيها، إلاّ من فتاة ترتدي زيّ الشرطة تنتظر، وهناك جسد قطة صغيرة وجدت حتفها وهي تحاول قطع الشّارع، بلا شعور قلت: “لا حول ولا قوّة إلاّ بالله”. ومضيت.
مدّ يده مستوقفا السّيّارة، ولكن عندما رآني سيدة أشاح بوجهه وتابع سيره شاب لم يتجاوز العقد الثاني من عمره، رثّ الثياب، حسبته يعمل في كراج ميكانيك لكثرة الزيوت التي تشرّبها قميصه وبنطاله وذاك الحذاء الثقيل الذي كبّل قدميه.
عانقت الشارع الرئيسي لألمح تلك الأجساد التي تتسمر يوميا في المكان نفسه انتظارا للحافلة التي تقلهم إلى الوجهة التي يريدون.
مضيت في وجهتي فإذا بشاب صغير تركت خيوط الشمس آثارها على وجنتيه وساعديه فلونتهما بالسُّمرة، يشير إلي بيده للوقوف يمينا، أخفف السرعة لكنه ما أن يراني سيدة حتى يسمح لي بمتابعة الطريق.
بضعة أمتار سرتها، أوقف محرك سيارتي، انتقل إلى الطرف الآخر من الطريق انتظر تلك السيارة التي توصلني إلى مكان عملي، فقط قطعت نصف المسافة تقريبا، وبقي نصفها الآخر، أجتر الوقت بمراقبة بعض العصافير التي تتقافز هنا وهناك تشتتها عجلات مركبة تمر مسرعة لكنها سرعان ما تعود وتجتمع مرة أخرى تتفحص المكان بحثا عن لقمة العيش كما هو حالنا جميعا.

مقالات

مقالات ذات الصلة

اترك رد