الغدر والخيانة والأنانية …. بقلم : منير حرب

7٬176

الكرك نيوز – تحكي الأساطير الإغريقية القديمة عن فتاة تُدعى “ميديا” تلك، والتي أحبت شخصًا من أعداء وطنها.
تذكر الأسطورة أن “جاسون” ذهب للبحث عن الفروة الذهبية في بلادها، وعندما وقعت رأته ميديا فوقعت في غرامه توًا، وأخبرته أنها ستساعده شرط أن يأخذها معه ويتزوجها.
في سبيل هذا الحب، خانت وطنها، وساعدت حبيبها في قتل أبيها وأخويها، ثم هربت معه ليتزوجها وتعيش سعيدة وأنجبت ميديا من حبيبها طفلين صغيرين.
يقال أن “هيرا” – التي قلما تخلوا الأساطير من ذكرها خاصة في تلك الأمور التي تمتلئ بالحقد والشر والغيرة- حيث أقنعت “أفروديت” إلهة الحب والشهوة والإنجاب؛ بأن تجعل ميديا تقع في غرام جاسون.
مرت الأيام، وبدأ حب زوجها لها يقل وبدأ يَكُف عن الاكتراث لها، يرمقها بكره شديد واحتقار.
وفي أحد الأيام علمت ميديا بنية الغدر التي بيتها لها زوجها، حيث قرر الزواج من أخري، بعد أن استقر في يقينه أن ميديا ما هي إلا امرأة حقيرة؛ خانت أهلها ووطنها واستحقت لعنة الآلهة، وبالتالي فهي أخسّ من أن تظل زوجته وتَرعى أولاده، فقرر أن يتركها هكذا ذليلة مثل كلاب الشوارع ولن يكترث لها.
جن جنون ميديا وقررت الانتقام من هذا الزواج الخائن، في اليوم التالي وقفت أمام زوجها الذي كان يستعد للزواج من أخرى وذبحت أمامه طفليها الصغيرين لتري في عينيه دموع القهر والمرارة وليحرق الانتقام والحقد قلبها الأسود القاسي.
برغم ما يفوح من هذه القصة من معاني بذيئة وبغيضة، مثل القتل والخيانة والخسة والأنانية والقسوة؛ إلا أنني أرى جانبًا آخر قد لا يتبادر إلى أذهان الكثيرين، وقد تكون العبرة الأكثر انْجِلاَءً ووضوحًا؛ هو أن الخيانة جزاء الخيانة، والجحود يقابله جحودًا أعظم منه، والغدّار سيُغدَر به بعد حين مهما طال الوقت، والأنانية والطمع لا يتبعهم إلا الإفلاس والإملاق، مهما عَظُمت التضحيات.
الخطر المستتر نوعًا ما هنا، هو الانتقام وما يخلفه وراءه من خسارة قد تُعمي أبصارنا عنها في البداية، وإن كان اختيار الأطفال لرمزية الخسارة هو أروع تعبير.
عندما يتملكنا الحقد والغيرة والغضب، ويستمر تلاعبهم بنا، ويتردد صداهم يداخلنا بمنتهي الإصرار؛ ينتهي بنا الأمر بالوقوع في براثن الانتقام.
“ميديا” في الأسطورة عندما سيطرت روح الانتقام عليها جعلتها تضحي بأطفالها، فقط لتنتقم من الزوج الذي ضحت من أجله بكل شيء، انتهي بها الأمر لتكون هي صاحبة الخسارة الأكبر.
أن نشعر بالغدر والخيانة والأنانية أمرًا فَحُشًا، ويَصُعب علينا كلما كانت الخسارة كبيرة، لكن الانتقام سيَجعلنا نخسر ما هو أغلى وأثمن وهو أنفسنا، أرواحنا النقية الطاهرة، سريرتنا الهادئة المنعمة، وتتداخل وتتعقد سلاسل من الخسارات والأوجاع والجراح التي لا تندمل.
تَجلّت الأسطورة في اختيار التضحية التي عزمت ميديا أن تضحي بها، في مقابل أن تنتقم من زوجها وتحزنه وتدمره، وأعماها حقدها وغلها، عن رؤية جَرّاء فِعلتها وخسارتها لأطفالها وهي الخسارة التي ما بعدها خسارة.

مقالات ذات الصلة

اترك رد